سيد قطب

3837

في ظلال القرآن

الساكن وتروع الآمن ؛ وتذهب بكل مألوف وتبدل كل معهود ؛ وتهز النفس البشرية هزا عنيفا طويلا ، يخلعها من كل ما اعتادت أن تسكن إليه ، وتتشبث به ، فإذا هي في عاصفة الهول المدمر الجارف ريشة لا وزن لها ولا قرار . ولا ملاذ لها ولا ملجأ إلا في حمى الواحد القهار ، الذي له وحده البقاء والدوام ، وعنده وحده القرار والاطمئنان . . ومن ثم فالسورة بإيقاعها العام وحده تخلع النفس من كل ما تطمئن إليه وتركن ، لتلوذ بكنف اللّه ، وتأوي إلى حماه ، وتطلب عنده الأمن والطمأنينة والقرار . . وفي السورة - مع هذا - ثروة ضخمة من المشاهد الرائعة ، سواء في هذا الكون الرائع الذي نراه ، أو في ذلك اليوم الآخر الذي ينقلب فيه الكون بكل ما نعهده فيه من أوضاع . وثروة كذلك من التعبيرات الأنيقة ! المنتقاة لتلوين المشاهد والإيقاعات . وتلتقي هذه وتلك في حيز السورة الضيق ، فتضغط على الحس وتنفذ إليه في قوة وإيحاء . ولولا أن في التعبير ألفاظا وعبارات لم تعد مألوفة ولا واضحة للقارئ في هذا الزمان ، لآثرت ترك السورة تؤدي بإيقاعها وصورها وظلالها وحقائقها ومشاهدها ، ما لا تؤديه أية ترجمة لها في لغة البشر ؛ وتصل بذاتها إلى أوتار القلوب فتهزها من الأعماق . ولكن لا بد مما ليس منه بد . وقد بعدنا في زماننا هذا عن مألوف لغة القرآن ! « إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ، وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ، وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ : بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ؟ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ، وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ . . عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ » . . هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهود ، والثورة الشاملة لكل موجود . الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية ، والوحوش النافرة والأنعام الأليفة ، ونفوس البشر ، وأوضاع الأمور . حيث ينكشف كل مستور ، ويعلم كل مجهول ؛ وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب . وكل شيء من حولها عاصف ؛ وكل شيء من حولها مقلوب ! وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعهده . الكون المنسق الجميل ، الموزون الحركة ، المضبوط النسبة ، المتين الصنعة ، المبني بأيد وإحكام . أن هذا الكون سينفرط عقد نظامه ، وتتناثر أجزاؤه ، وتذهب عنه صفاته هذه التي يقوم بها ؛ وينتهي إلى أجله المقدر ، حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون ومن الحياة ومن الحقائق غير ما عهدت نهائيا في هذا الكون المعهود . وهذا ما تستهدف السورة إقراره في المشاعر والقلوب كي تنفصل من هذه المظاهر الزائلة - مهما بدت لها ثابتة - وتتصل بالحقيقة الباقية . . حقيقة اللّه الذي لا يحول ولا يزول ، حين يحول كل شيء من الحوادث ويزول . ولكي تنطلق من إسار المعهود المألوف في هذا الكون المشهود . إلى الحقيقة المطلقة التي لا تتقيد بزمان ولامكان ولا رؤية ولا حس ، ولا مظهر من المظاهر التي تقيدها في ظرف أو اطار محدود ! وهذا هو الشعور العام الذي ينسرب إلى النفس وهي تطالع مشاهد هذا الانقلاب المرهوب . فأما حقيقة ما يجري لكل هذه الكائنات ، فعلمها عند اللّه ؛ وهي حقيقة أكبر من أن ندركها الآن بمشاعرنا